الراغب الأصفهاني
406
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر أي الفاعل هو اللّه لا الدهر . قال الشيخ أبو القاسم الراغب : ألمّ بهذا المعنى الخوارزمي ، فقال : وكم نكني وكم نهجو الليالي * وليس بخصمنا إلا القضاء وقال الناجم : نعيب زماننا والعيب فينا * ولو نطق الزمان بنا هجانا وقال رجل للأصمعي : فسد الزمان ، فقال : إن الجديدين في طول اختلافهما * لا يفسدان ولكن يفسد الناس « 1 » وقال أبو عبد الرحمن الأصم لأبي العتاهية : أي خلق اللّه أصغر عنده ؟ قال : الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة ، قال : أصغر منها محبّها . لم يفسد الدهر لكنّ أهله فسدوا وقال المتنبّي : ألا لا أري الأحداث حمدا ولا ذمّا * فما بطشها جهلا ولا كفّها حلما الدّهر يتراذل قال أبو الدرداء رضي اللّه تعالى عنه : معروف زماننا منكر زمان قد فات ومنكره معروف زمان لم يأت . وسمع زياد امرأة تقول : اللهم أعزل عنا زيادا ، فقال لها : زيدي في دعائك وأبدي لنا خيرا منه فإن الأخير أبدا شر . وقال بعض العلماء : آخر الناس شرارهم الذين تقوم عليهم القيامة . حمد ماضي الزّمان وذمّ حاضره كانت عائشة رضي اللّه عنها تنشد قول لبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب « 2 » وتقول : رحم اللّه لبيدا كيف لو عاش إلى زماننا . وكان ابن الزبير ينشده ويقول : رحم اللّه عائشة كيف لو عاشت إلى زماننا . وقال بعضهم : كان الناس ورقا بلا شوك ، فصاروا شوكا بلا ورق . وقال شاعر : لم أبك من زمن شكوت صروفه * إلّا بكيت عليه حين يزول وقال : ننسى أيادي الزمان فينا وما * نذكر من دهرنا سوى نوبه « 3 »
--> ( 1 ) الجديدان : الليل والنهار . ( 2 ) جلد الأجرب : كناية عن صعوبة العيش . ( 3 ) نوب : جمع نائبة ، وهي المصائب .